أثارت مقترحات بيع قناة السويس، الواقعة شمال شرقي مصر، قلقًا واسعًا بين المصريين، الذين يساورهم أصلًا شك عميق إزاء تسارع الحكومة في بيع أصول الدولة والبنية التحتية الحيوية والموانئ الاستراتيجية لحلفائها في الخليج، بحسب ما يكتب محمود حسن.
ويناقش ميدل إيست مونيتور في هذا المقال تداعيات المقترح الذي ظهر قبل أيام، والذي طرحه حسن هيكل، مستشار رئيس الوزراء المصري، في إطار ما وصفته وسائل إعلام بـ«المقايضة الكبرى»، وهي ترتيبات تتضمن مبادلة أصول مملوكة للدولة ونقل الديون بين مؤسسات حكومية.
ويقضي المقترح، بحسب ما طُرح، بإسقاط جزء من الدين المحلي عبر نقل أصول من ممتلكات الدولة، مثل حصصها في الشركات العامة أو قناة السويس، إلى البنك المركزي المصري، شريطة أن يحصل البنك على أصول تعادل قيمة الدين المنقول إليه.
ديون ضخمة تضغط على الاقتصاد المصري
يثقل الدين المحلي كاهل نظام رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي، إذ بلغ 11.057 تريليون جنيه مصري، أي نحو 219 مليار دولار، حتى نهاية يونيو 2025، فيما وصل الدين الخارجي إلى نحو 164.8 مليار دولار بنهاية الربع الأول من عام 2026، وفق البيانات الرسمية.
وتستهلك خدمة الدين أكثر من نصف إيرادات الخزانة المصرية، بينما بلغت تكلفة خدمة الدين السنوية نحو 5.2 تريليون جنيه في أحدث موازنة، منها 2.8 تريليون جنيه لسداد أصل الدين و2.4 تريليون جنيه فوائد.
وتستحق على مصر خلال الفترة الممتدة من أبريل 2026 إلى مارس 2027 أقساط قروض خارجية بقيمة 62.8 مليار دولار، تشمل 7 مليارات دولار فوائد و55.8 مليار دولار من أصل القروض، وفق بيانات البنك الدولي.
ودفع تدهور الأوضاع المالية في مصر منذ الانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013 الحكومة إلى تسريع وتيرة بيع أصول الدولة. وشملت العملية شركات كبرى تعمل في قطاعات حيوية وحساسة، من بينها النفط والكهرباء والطاقة والنقل والاتصالات والسياحة والبنوك والتمويل.
وامتدت عمليات البيع كذلك إلى أراضٍ استراتيجية على ساحل البحر المتوسط، وفي مقدمتها صفقة رأس الحكمة مع الإمارات، والعلمين الروم مع قطر، ورأس جميلة على البحر الأحمر، التي قد تؤول إلى السعودية.
هل تختبر الحكومة رد فعل المصريين؟
تغذي أربعة عوامل رئيسية المخاوف المتزايدة لدى المصريين من مقترح بيع قناة السويس.
ويتمثل العامل الأول في بيان أصدره مجلس الوزراء المصري، قال فيه إن المقترح «يعبر عن رؤية شخصية بحتة لصاحبه ولا يمثل سياسة أو مقترحًا تتبناه الحكومة». لكنه أقر في الوقت نفسه بأن الفكرة خضعت للدراسة سابقًا.
أما العامل الثاني فيرتبط بتسوية الحكومة المصرية ديونًا بقيمة 88.3 مليار جنيه مستحقة على الهيئة الوطنية للإعلام، المعروفة باسم ماسبيرو، لصالح بنك الاستثمار القومي المملوك للدولة. وشملت التسوية نقل ملكية أصول عقارية إلى البنك. ووصف هيكل هذا الترتيب بأنه «مقايضة صغيرة»، واعتبره نموذجًا لما يمكن تطبيقه على قناة السويس.
ويتمثل العامل الثالث في التقييم المتداول للقناة الاستراتيجية، الذي يصل إلى تريليون دولار.
وتتعامل قناة السويس مع ما يصل إلى 15% من حركة التجارة العالمية ونحو 30% من حركة الحاويات العالمية، بينما تتجاوز قيمة البضائع التي تمر عبرها تريليون دولار سنويًا.
أما العامل الرابع، فيتعلق بالتعديلات التي أقرها البرلمان عام 2022 على القانون رقم 30 لسنة 1975 المنظم لهيئة قناة السويس. وتسمح التعديلات بإنشاء صندوق مملوك للهيئة، مع منحه حق شراء وبيع وتأجير واستئجار واستغلال والانتفاع بالأصول الثابتة والمنقولة.
وقال اقتصادي مصري لميدل إيست مونيتور، مشترطًا عدم الكشف عن هويته، إن المقترح يمثل في جوهره «بالون اختبار» لقياس رد فعل الرأي العام. وقد يكون الهدف منه خصخصة القناة بالكامل، أو طرح حصة منها للبيع في البورصة المصرية، أو ربما إبرام صفقة ضخمة تحصل مصر بموجبها على قدر كبير من العملة الأجنبية من دولة خليجية، مثل الإمارات، مقابل منحها حق استخدام القناة لفترة محددة، قد تصل مثلًا إلى عشر سنوات.
ويرى فريق آخر من الاقتصاديين أن مقترح هيكل قد يخدم أهدافًا أخرى، من بينها استكمال بيع حصص حكومية في شركات استراتيجية مثل الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع، وأبو قير للأسمدة، وسيدي كرير للبتروكيماويات، والإسكندرية للزيوت المعدنية، والمصرية للاتصالات.
وقد يجري ذلك دون الكشف عن هوية المشترين أو القيمة الحقيقية للحصص المطروحة للبيع، ودون الإفصاح المسبق الذي تفرضه قواعد سوق المال. وقد تسرّع الحكومة كذلك بيع شركات أخرى قبل نهاية العام، في محاولة لتوفير سيولة كافية لسداد الديون المستحقة على البلاد.
ويحذر الاقتصادي المصري مصطفى عبد السلام، في مقال نشرته منصة العربي الجديد، من أن نقل ملكية أصول، من بينها قناة السويس، إلى البنك المركزي مقابل تسوية جزء من الدين المحلي قد يعني ببساطة استخدام البنك أموال المودعين لخدمة الدين العام وخفض تكلفته.
وقد تلجأ الدولة، بحسب عبد السلام، إلى إصدار النقود دون وجود احتياطيات كافية من الذهب والعملات الأجنبية لدعمها، ما قد يشعل موجة تضخم غير مسبوقة ويؤدي إلى ارتفاع حاد في الأسعار.
وفي السياق ذاته، شكك الكاتب المصري المعارض المقيم في الخارج سليم عزوز في المقترح، في مقال نشره موقع عربي21 تحت عنوان «هل يتحدث هيكل من فراغ؟!».
وكتب عزوز أن ما أثار قلقه في رد الحكومة هو اعترافها بأن الفكرة خضعت للدراسة والنقاش سابقًا، قبل استبعادها على أساس السيادة المصرية والأمن القومي، إلى جانب اعتبارات أخرى وردت في البيان.
وأضاف أن اللافت هو مناقشة قضية بهذه الخطورة ودراستها بعيدًا عن الشعب، بينما لا يعرف المصريون متى جرت هذه المناقشات، وما الذي دفع إليها، أو ما إذا كانت الفكرة خرجت من داخل الحكومة أم جاءت من جهة خارجية.
ودخل علاء مبارك، نجل الرئيس المخلوع حسني مبارك، على خط الجدل عبر منشور على حسابه الشخصي في منصة إكس، قال فيه إن ما وصفه بالخبير هيكل يجهل أهمية قناة السويس بوصفها ممرًا مائيًا عالميًا وشريانًا حيويًا ورمزًا للسيادة الوطنية.
وأضاف أن أي مقترح لرهن القناة أو مبادلتها لتسوية الدين المحلي يمثل خطرًا كبيرًا على السيادة الوطنية والأمن القومي المصري.
وقال أيضًا إن هيكل لا يدرك أن قناة السويس ليست مجرد أصل عادي يمكن التعامل معه مثل قطعة أرض أو شركة لإلغاء الدين المحلي، مشددًا على أن قيمة هذا الممر المائي الحيوي تتجاوز أي ديون قائمة، وأن القناة لا ينبغي أن تدخل في أي مقايضة أو رهن، أو أن ترتبط ملكيتها بقضية الديون، حتى لو كان الطرف الآخر جهة مصرية.
مصر على حافة الإفلاس؟
لا يُعد مقترح بيع قناة السويس جديدًا. فقد طُرح قبل سنوات مقترح مشابه لبيع حصة تبلغ 51% من القناة إلى الصين أو الإمارات لسداد ديون مصر، وسارعت الحكومة المصرية آنذاك إلى إصدار نفي رسمي.
وفي فبراير 2023، نفى السيسي تقارير تحدثت عن بيع قناة السويس مقابل تريليون دولار، واصفًا تلك التقارير بأنها «شائعات وأكاذيب».
لكن معارضي الحكومة يقولون إن ما جرى وصفه سابقًا بأنه أكاذيب أصبح الآن مقترحًا يطرحه مستشار بارز لرئيس الحكومة. ويحذر هؤلاء من تكرار التاريخ، مستذكرين الفترة التي سيطر فيها الأجانب على أصول مصرية خلال حكم الخديوي إسماعيل باشا، الذي أغرق البلاد في دوامة من الديون.
وفي عام 1876، اضطر إسماعيل إلى إنشاء «صندوق الدين»، الذي ضم ممثلين عن دول أوروبية، وتولى إدارة ديون مصر وترتيب سدادها.
وتساءلت الأكاديمية المصرية علياء المهدي، العميدة السابقة لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، عن جدوى سياسات بيع الأصول، في منشور على حسابها الشخصي في فيسبوك، قائلة: «بعنا رأس الحكمة، التي قُدرت قيمتها بـ35 مليار دولار، لكن هل انخفض الدين حتى بمقدار قيمة الصفقة؟».
وأضافت: «لا. نحن بحاجة إلى إصلاح هيكلي سريع لا يعتمد على بيع الأصول، وإنما يحشد جميع مؤسسات الدولة والقطاعين الخاص والعام والمجتمع المدني والاستثمار الأجنبي لبناء القطاعات الإنتاجية والاستثمار فيها، مثل الصناعة والزراعة وغيرها».
وتبدو مخاوف المصريين من مقترح بيع قناة السويس، في ظل هذه المعطيات، مفهومة ومشروعة، خصوصًا في ظل نظام مدعوم من المؤسسة العسكرية أثقل البلاد بديون ضخمة، وقد يؤدي اقتراب مصر من حافة الإفلاس إلى خسارة الشعب المصري عددًا من أصوله ومنشآته الحيوية والحساسة.
https://www.middleeastmonitor.com/20260908-why-is-el-sisis-regime-considering-the-sale-of-the-suez-canal/

